منبر الرأى

هاجر ذات اليقين .. بقلم نجلاء لطفي

 هي امرأة مصرية ومعروف عن نساء مصر قوة التحمل، والصلابة في مواجهة الشدائد ، والصبر عند المصائب، وكأن الله سبحانه اختار هاجر المصرية لتكون زوجة لخليل الله ونبيه إبراهيم بسبب تلك الصفات. كانت هاجر- كما ذكرت كتب التاريخ- أميرة مصرية أهداها حاكم مصر للسيدة سارة زوجة سيدنا إبراهيم، وكانت لا تنجب فأرادت أن تسعده برؤية ذريته فزوجته هاجر التي أنجبت له ولده إسماعيل. دبت الغيرة في قلب السيدة سارة من هاجر وخاصة بعد إنجابها للولد وشعر سيدنا إبراهيم بالحيرة حتى جاءه أمر الله بأن يخرج بهاجر وابنها إلى الصحراء. وكأن هجرة واحدة بعيدا عن الوطن والأهل والأصدقاء لا تكفي فيسوقها قدرها نحو هجرة نحو المجهول وهي راضية، فيأخذها زوجها إلى صحراء جرداء لا زرع ولا بشر ولا ماء ويهم بتركها هي وصغيرها فتسأله بلهفة: هل أمرك الله أن تتركنا هنا؟ فيجيب بنعم، فتقول بيقين: إذا لن يُضيعنا.

أي يقين هذا؟ هل كان إيمانها بربها قوي لتلك الدرجة؟ يتركها زوجها ويعود لزوجته الأولى في مكان خالٍ من كل المخلوقات ثم تكون بمثل هذا الثبات؟ لا تبكي ولا تصرخ ولا تلومه ولا تجزع؟  ينفذ ما لديها من ماء ويبكي صغيرها فتهب بحثاً عن الماء في صحراء خالية ويقينها يملأ كل روحها وهي تقطع المسافة بين الصفا والمروة في سبعة أشواط بلا فائدة لكنها لا تكل لأنها على يقين من رحمة الله التي ستنقذها هي وطفلها، حتى تجد الماء ينبع من تحت قدمي الصبي المبارك إسماعيل ابن خليل الله، فتتوافد عليها القبائل لتعيش في جوارها وجوار الماء فتعيش هي والصبي بينهم وتلك كانت مكافأة الصبر الأولى. لم يتوقف هنا دور هاجر المصرية، بل تقوم -في زمن ذكوري بحت- بتربية ابنها وحدها وزوجها غائب وتتحمل العبء وحدها ويشب الفتى فيأتي الاختبار الثاني الأصعب، فبقدر الإيمان تكون الابتلاءات، فيأمر الله سيدنا إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل من خلال رؤيا- ورؤيا الأنبياء حق- فيحتار الخليل مرة أخرى بين عاطفة الحب الأبوي وبين طاعة الله فيختار طاعة الله ويذهب لابنه ويقول له أنه رأى في المنام أنه يذبحه فماذا يفعل؟ أي امرأة طبيعية في تلك اللحظة  ستصرخ وتثور وتحمي ابنها وترفض أن يذبحه والده الذي تخلى عنه سابقا ثم عاد اليوم ليذبحه، أي امرأة أخرى كانت ستمنع زوجها من قتل وحيدها وتتهمه بالجنون، ولكن هاجر ذات اليقين ليست أية امرأة إنما هي زوجة نبي ويقينها بالله لا نهائي. كذلك الفتى المبارك إسماعيل أي فتى في مكانه كان يمكنه الهرب من أبيه أو رفض إطاعة أوامره لكن أمه ربته على الإيمان بالله وعلمه أبوه طاعة الله فكانت إجابته لأبيه أن يفعل ما أمره الله به، وفي تلك اللحظة  القاسية في حياة الثلاثة، وخاصة هاجر فهي  أم ربت وتعبت حتى صار ولدها على أعتاب الرجولة فيأتي أبوه ليذبحه ، ذلك أمر فوق طاقة كل البشر لكن هاجر المصرية كان يقينها بالله أكبر من كل شئ، وإبراهيم الذي بلغ الكبر ويحتاج لابنه في كبره مأمور بذبحه، وإسماعيل الذي سيذبحه أبوه بعد لحظات استجابة لأمر الله. وتأتي الرحمة الإلهية فتنقذ تلك الأسرة من أسوأ مصير وتكون مكافأة اليقين والطاعة هي ذبح عظيم ينزل من السماء ليفدي الفتى المبارك إسماعيل. وتكون المكافأة الربانية الثالثة بأن يشارك أباه خليل الله في بناء الكعبة ليحج إليها الناس من كل فج عميق. أما مكافأة المرأة الصابرة ذات اليقين أن تكون رحلة بحثها عن الماء جزءا من عبادة المسلمين في الحج والعمرة تكريماً لها ولسعيها ولحسن يقينها بالله، وتكون زمزم التي فجرها الله تحت قدمي ولدها بئر لا تنضب ومياهها المباركة شفاء بإذن من كل الأمراض، وتصبح هاجر المصرية أما لكل العرب فيما بعد. وبعد مئات السنين يوصي النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأهل مصر خير لأنهم أهل السيدة هاجر أم الذبيح إسماعيل وزوجة الخليل إبراهيم عليهم السلام جميعا، ثم يكرمها الله عز وجل بأن يجعل الصلاة على سيدنا إبراهيم  وآله- وهي منهم- ركن أساسي من أركان الصلاة، فيدعو لها ملايين المسلمين منذ ظهور الإسلام حتى يوم القيامة تكريماً لها على يقينها وحسن ظنها بالله.

إنها هاجر المصرية المرأة الصابرة ، المتحملة الشدائد والمتسلحة بإيمانها ويقينها بالله.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق