نساء ناجحات

من أبرز التشكيليات الجزائريات: جهيدة هوادف.. ساحرة اللون

لا يُذكر اسم الفنانة التشكيلية جهيدة هوادف (1963م)، إلا كواحدة من أهمّ فنانات الجيل الثاني، الذي يأتي مباشرة بعد نساء الجيل المؤسّس لمدوّنة الفنون البصرية في الجزائر، والتي تقف على رأسها الفنانة باية محيي الدين (1931/1998م)؛ وهي من أبرز التشكيليات الجزائريات، اللّواتي أثّرن في الفنون التشكيليّة، ليس في الجزائر وحسب، بل في شتى أرجاء العالم.

 الريف الجزائري

حيث امتدّ تأثير الفنانة باية، حتى إلى الفنان الشهير بابلو بيكاسو، الذي أقرَّ في بعض اعترافاته، بأنّها كانت مصدر إلهام له في لوحته التي أنجزها سنة (1954م)، بعنوان (نساء الجزائر).كما أنّ الفنانة عائشة حداد (1937/ 2005م) تُعتبر، هي الأخرى، بحسب عدد من النقّاد، واحدة من أهمّ الأسماء ضمن قائمة الجيل المؤسّس لمدوّنة الفن التشكيلي في الجزائر؛ وأعمالها لا تقلُّ أهمية عن أعمال باية محيي الدين.

تقوم التجربة الإبداعية للتشكيلية جهيدة هوادف على عناصر متنوّعة، أهمُّها الأصالة والتجديد، حيث تعمل هذه الفنانة باستمرار، على استلهام الكثير من موضوعات أعمالها، من مفردات التاريخ والثقافة في الجزائر؛ وهي لا تقف عند هذا الحدّ، بل تمنحها أبعاداً معاصرة، تنسجم وتطلُّعات أيّ فنان أصيل في مواكبة الجديد على الساحة الفنيّة.

وقد أكدت الفنانة جهيدة هوادف لمجلة «الشارقة الثقافية»، على هامش معرض أقامته بجاليري (محمد راسم) في الجزائر العاصمة، أنّ البذور الأولى وراء نبوغها كفنانة تشكيلية تعود إلى سنوات صباها البعيدة، فتقول (لمّا كنت صغيرة، كنت أحبُّ قضاء إجازتي الصيفية في قريتي، مسقط رأسي، وكنت أتطلّع إلى نهاية السنة الدراسية بفارغ الصبر، لأنّ تلك الأجواء؛ الأرض وخضرتها، والسماء وزرقتها، والعصافير وزقزقتها، والفراشات ووشوشتها، كانت تُشعرني بسعادة غامرة أظلُّ محرومة منها طوال الموسم الدراسي، ولذلك تجدني أنا وإخوتي وأخواتي، أشبه بالسجناء الهاربين من زنزانة الأسر، وكنّا نقضي معظم أوقاتنا في الجري، دون أن نبالي بالحرارة المرتفعة، وكأنّنا كُنّا نتلذّذُ بالانتقام من جدران المدينة، التي احتجزتنا طوال تلك الأشهر الثقيلة من أجل الدراسة.

وقد كان وقت القيلولة، بالنسبة لنا، مقدّساً لأننا اعتدنا قضاءه في مزرعة جدّي، يدفعنا التمرُّد على كلّ القوانين والأنظمة، التي كانت أمي تحاول أن تُرغمنا على احترامها، باستعمال عصا مصنوعة من أغصان زيتونة عجوز، ولكن هيهات، هيهات، أن تستطيع اللّحاق بنا، وأقدامنا الطريّة تطير بنا مثل الأجنحة في تلك الأرض الشاسعة. لطالما شعرت بالطبيعة تملأ قلبي بالسعادة، وهذا الغطاء الأزرق النقيُّ من السماء، يكسو ذلك الأخضر الطازج من الأرض، كان هذا المنظر، بالنسبة إلي، المعنى الحقيقي للجنّة. أما بداية الخريف، فكانت تمثّل لي ميلاد لحظة سحرية متكاملة، تبدأ بنزول قطرات المطر الأولى على الأرض العطشى، وهي أشبه بانبثاق حبّات عقد من اللؤلؤ مرتّبة بإتقان، واحدة بجانب الأخرى).

من رسوماتها

ومع مرور السنوات، وتراكم الخبرات والتجارب، صارت جهيدة هوادف تشعر برغبة كبيرة في ترجمة كلّ تلك المشاعر المخزّنة في الذاكرة، والتعبير عنها بطريقة ما، الأمر الذي دفعها دفعاً إلى البحث عن أسلوب وأدوات مبتكرة لإيصال تلك المشاعر إلى الجمهور. وفي هذا الشأن تؤكد هوادف بالقول (عندما يعمل الفنان بشكل مستمر، يشعر مع مرور الزمن، بأنّ هناك حاجة ورغبة في ابتكار شيء ما، تدفعه نحو تحقيقه وتجسيده تطلُّعاتٌ جديدة، ورؤى جديدة، ومن ثمّ ينطلق باحثاً عن أحاسيس فريدة وأصيلة. ولذلك، وجدتني أبحث في تاريخ الجزائر القديم، خاصة ما ارتبط بمرحلة ما قبل التاريخ؛ وهي الفترة التي خلّف بشأنها الإنسان القديم الكثير من المآثر ممثّلة في الرسومات الصخرية المنتشرة، عبر مواقع مختلفة في الصحراء الجزائرية. وقد بدا لي أنّ استلهام ما تُعبّر عنه مختلف الحيوانات، التي وُجدت منقوشة على الصخور، يُمثّل، في حقيقة الأمر، قراءة إبداعية ثانية لتلك الرسومات القديمة، خاصة إذا علمنا أنّه لطالما ألهم الفن الحيوانيُّ الفنانين، وعملي يهدف أساساً إلى تسليط الضوء على خصوصيّة الحيوانات، التي تظهر من خلال الجمال الرائع الذي تنضح به، كما ينبع من اندماج المفارقات، التي تُعبّر عنها صفاتها، التي تجمع بين القوة واللطف والشر والخير والقبح والجمال).

ولا تقف خصوصيات اللّوحة الفنيّة لدى جهيدة هوادف عند حدود الموضوع، ولكنّها تتعدّى ذلك إلى الخامات اللّونية التي تستخدمها في أعمالها، وهي تؤكد على ذلك بقولها (في الواقع، علاقتي مع اللّون حميمية للغاية، ويُمكن التعبير عنها بوجود تواطؤ ناتج عن علاقة روحية وعاطفية دقيقة، تربطني مع اللّون، مع وجود حرية للتلاعب والحركة داخل هذه العلاقة، تُمكّنني من عبور أشكال حدودها، ودمج المفاتيح المنتشرة على الدعامات، تماماً مثل الألعاب النارية، وفي كثير من الأحيان، يعطي مزيج الألوان نتيجة مع سبق الإصرار عليها، ولكن في كثير من الأحيان، يفاجئنا ترتيب هذه الأشياء، ويعطينا سحراً معيّناً، قد لا تتمُّ عملية تصوُّره، وكأنّه نسج خيوطه بعيداً عن الذات).

كما تشير التشكيليّة جهيدة هوادف إلى أنّ (اللّوحة هي، قبل كلّ شيء، ملجأ الروح، يتمُّ من خلالها نقل السلام الداخلي، والصفاء الذي يملأ القلب، للوصول إلى العناصر الرئيسيّة للإنسان، وبناء حوار مقدّس ومفتوح وخيّر، والفنُّ، بالنسبة إلي، مثل خلق الإنسان، الذي لايزال لغزاً وقفت جميع العلوم الدقيقة عاجزة عن اختراقه وتفسيره).

*الشارقة الثقافية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق