حوارات وتحقيقات

كورونا يقرب الأمهات العاملات من أبنائهن

العزل المنزلي يقلص شعور الأمهات بالذنب والتقصير تجاه أبنائهنّ

 لندن – قرّبت أزمة كورونا الأمهات من أبنائهن، مخلّصة العديد منهن من الإحساس بالذنب وجلد الذات المتواصل بسبب الشعور بالتقصير في حقهم، وخاصة من الناحية العاطفية، كما جعلتهن يعدن النظر في طريقة تربيتهم والعناية بهم.

وأكدت نادية زياتي موظفة وأم لثلاثة أطفال أنه من الطبيعي أن بعض الأمهات يعتبرن أنفسهن فاشلات في تربيه أبنائهن ويقارن أنفسهن بغيرهن من الأمهات، وهن بذلك يظلمن أنفسهن.

وأضافت “صحيح كان ينتابني هذا الشعور بصفة دائمة خاصة في فترة الامتحانات، إلا أنه منذ بداية العزل وبعد انقضاء بضعة أيام، بدأت أشعر براحة نفسية وبقربي من أبنائي، وتقلص الشعور بالذنب الذي كان يراودني طوال تواجدي في العمل وغيابي عنهم، ويرافقني حتى بعد عودتي إلى المنزل”.

أكد خبراء العلاقات الأسرية أن هذا الإحساس موجود عند معظم الناس وخصوصا الأمهات ويكون منبعه إما التربية وإما المدوّنة الأخلاقية.

كما بينوا أن هذه الجائحة رغم تداعياتها السلبية فإنها لم تخل من إيجابيات، ومن بينها تقريب الأمهات من أبنائهن، فأغلب الأمهات توقفن عن العمل، والكثير منهن بتن يعملن في المنزل مع وجود أبنائهن المعزولين طوال أيام عديدة.

الإحساس بالذنب والتقصير يلازم عاطفة الأمومة في أغلب الأحيان؛ نظرا إلى رغبة الأم الشديدة في إعطاء الأبناء كل الرعاية

وكشفت لمياء موسى موظفة تعمل من المنزل في الآونة الأخيرة أنها تشعر بارتياح كبير بوجودها مع أبنائها في هذه الفترة رغم ما
يثيرونه من متاعب، إلا أنها لم تعد تلوم نفسها بأنها قصرت في توفير احتياجاتهم بالشكل الذي تراه مثاليا، مشيرة إلى أنها مهما بذلت من مجهودات فقد كانت تشعر بالتقصير الدائم في حقهم، وهذا الشعور كان ينغص حياتها، إلا أن هذه المشاعر السلبية تقلصت لأنها باتت تلبي جميع احتياجاتهم، وخاصة منها النفسية والعاطفية.

وأشار الخبراء إلى أن الشعور بالتقصير لم يعد يراود الكثير من الأمهات اللاتي كن يبحثن عن المثالية في رعاية أبنائهن، لافتين إلى أن هذا الإحساس هو في الأصل إحساس خاطئ، منبهين إلى أن الكثير من الأمهات يعشن حالة دائمة من الإحساس بالذنب والتقصير تجاه أطفالهن ما يمنعهن من الاستمتاع بمتعة الحياة؛ حيث يغرقن في أفكار وتساؤلات لا تنتهي، وبيّنوا أن هذه المشاعر لا تنتاب الأم العاملة فقط بل حتى ربة المنزل غير العاملة فإنها تعرّض نفسها إلى جلد الذات في الكثير من الأحيان لأنها قد لا تقوم بأي نشاط تثري به حياة أطفالها، بل على العكس فقد تضع قواعد وقيودا لأبنائها تحد بها من حريتهم.

وقالت سيدة بن محمود إنها كانت دائما تقارن نفسها بالأمهات المقربات منها، حيث كانت تشعر بأنهن يمارسن أمومتهن بشكل أفضل منها، وترى أن الحجر الصحي بالنسبة إليها فرصة مهمة منحتها لها الظروف للاقتراب من أبنائها وحاولت تعويضهم على الحرمان الذي كانوا يعيشونه في غيابها، وأشارت إلى أن إحساسها بالراحة النفسية التي تعيشه في هذه المرحلة رغم صعوبة ما تلاقيه أثناءها، لم تعشه من قبل. وصرحت أن تأنيب الضمير الذي لازمها لسنوات طويلة تقلص كثيرا بعد العزل، فقربها من أطفالها جعلها تطّلع على النقائص التي كانت تشوب حياتهم، ومنحها البقاء المستمر معهم فرصة لتصحيحها وتلافيها، كما مكنها من منحهم الكثير من العاطفة التي كانوا يفتقدونها بسبب غيابها، وعودتها متعبة في آخر النهار وانكبابها على إعداد الطعام وتنظيف المنزل، وتركيزها فقط على إنجاز واجباتهم الدراسية.

وأكد المختصون أن الإحساس بالذنب والتقصير يلازم عاطفة الأمومة في أغلب الأحيان؛ نظرا إلى رغبة الأم الشديدة في إعطاء الأبناء كل الرعاية والاهتمام ما جعل الأمهات يعشن في حزن دفين وإحباط دائم؛ الأمر الذي ينعكس سلبا على تصرفاتها مع أطفالها ويؤثر على علاقتها بهم.

وكشف خبراء العلاقات الأسرية أنه من الناحية النظرية يسهل الحديث حول ما يتعلق بمثالية كل أم، إلا أنه وبمقتضى التغيرات التي تعيشها أغلب الأسر وانشغال الأمهات بالعمل والكثير من الأعمال المنزلية يصح هذا الأمر نظريا عند التعامل مع أبنائهن في مختلف مراحل حياتهم التي تكتسي بالصعوبات عموما.

كورونا تقرّب الأمهات من أبنائهنكورونا تقرّب الأمهات من أبنائهن

كما أشاروا إلى أنه على كل أُم عاملة من المنزل أن تدرك أن الأمور لن تكون مثالية قط، لذلك يجب عليها ألا تقارن نفسها بالأخريات، لافتين إلى أن هناك من يحاول بث هذه المشاعر إليهن بوصفهن مقصرات في حقوق أطفالهن، لذلك ما يجب على كل أم أن تفعله هو نبذ الشعور بالذنب تماما، وإحساسها يقينا أنها تقدم أفضل ما يمكن تقديمه لأطفالها وعائلتها.

ونبه المختصون إلى أن الإحساس بالذنب في تربية الأبناء هي عقدة تلازم بعض الأمهات، بمجرد منعهم أو حرمانهم من أشياء هن أدرى بتأثيرها عليهم إلا أن تأنيب الضمير يجعلهن في حيرة من أمرهن وأحيانا يؤدي إلى تساهلهن في التعامل معهم أو وضع القيود لهم حسب هذه المواقف.

وأشاروا إلى أن هذا الشعور مزعج ويجب على الأمهات الكف عن جلد أنفسهن والثقة بأن الأسلوب الذي يتبعنهن في تربية أطفالهن هو الأنسب لهم.

ولفتوا إلى أن الفعاليات والأنشطة التي تقوم بها بعض الأمهات صحبة أطفالهن وينشرنها على مواقع التواصل الاجتماعي قد تضاعف من الضغط الذي تعيشه الكثير من الأمهات، ما بين توتر من الوضع الصعب الذي تعيشه جميع المجتمعات في الوقت الراهن، وبين شعورهن بالذنب لأنهن مقصرات في حق أطفالهن على الرغم من التواجد معهم باستمرار.

وقالوا إن هذا الإحساس يعدّ دليلا على رغبة الأم في أن تقدم الأفضل لأبنائها، ونصحوها باستغلال هذا الشعور بذكاء لمصلحتهم لإيجاد طرق مناسبة لأن التفكير الطويل والأرق لن يفيداها في شيء.

وعلى الرغم من البقاء طوال الوقت في المنزل صحبة الأطفال بسبب ازمة كوفيد – 19 إلا أن الكثير من الأمهات لم يتخلصن من تأنيب الضمير، حيث قالت هدى منور أم لطفلين “عندما أمنع ابني من اللعب بالكمبيوتر وأدفعه إلى مراجعة دروسه، ينتابني شعور بالذنب، لأني حرمته وتعسفت في حقه وعارضت رغبته ووضعته في حالة من الحزن”، ولتجاوز هذه المشاعر نصح الخبراء بمحاولة تعويض الأبناء بمكافآت مادية ومعنوية في الوقت المناسب.

وأشاروا إلى أن المحيط الأسري والمجتمع لا يكفّان عن إصدار الأحكام وإعطاء المواعظ والنصائح، ما يشعر الأم دائما بالذنب، منبهين إلى أن هذه الأحاسيس تصبح مصدر توتّر قد يعيق الأم على أداء واجبها ويكون سببا في تدهور علاقتها مع أبنائها.

وقالت دراسة سابقة “نعتقد في أغلب الأحيان أن الأمهات العاملات يتعرضن لمضايقات ولا يملكن الوقت لرعاية أطفالهن، إذ يهرعن من مدارس أطفالهن إلى العمل دون وجود ثانية واحدة يسترحن فيها”، مشيرة إلى أن الكثير من الأمهات يجدن أن قضاء بعض الوقت بعيدا عن المنزل والأولاد يمنحهن المزيد من الطاقة للتركيز عليهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق