منبر الرأى

وفاء نزيه تكتب.. سنوحي .. الطبيب الغريب عاشق الوطن 3- 3

و يقول سنوحي انه بعد أن وصل لحدود مصر الشرقية :
( وقعت فريسة العطش و اكتويت بناره ، و جف حلقي و قلت هذا هو طعم الموت ) .
لكن العناية الإلهية و سمعته كطبيب انقذته من الموت ، إذ وجده بعض البدو و هو على حافة الموت :
( و لكن قلبي انتعش و جمعت أعضاء جسمي حين سمعت خوار الماشية ، و رأيت بعض البدو و عرفني شيخ منهم كان قد أتى إلى مصر ، فأعطاني ماء و طبخ لي لبنا و أخذني إلى قبيلته فأحسنوا معاملتي ) .
و هكذا بدأ سنوحي في ممارسة مهنة الطب ، و تنقل من مدينة لمدينة و من قرية لقرية و ذاع صيت الطبيب المصري ،
حتى وصل إلى الأمير عامون شي أمير رتنو العليا ، الذي عالجه الطبيب سنوحي المصري ( و كان هذا اسمه الذي عرف به منذ أن غادر مصر ) و عرفانا بالجميل يطلب منه الأمير ان يقيم في بلاده ، بعد أن عرف قدره في البلاط الفرعوني من المصريين الوافدين لبلاده ، و زاد بأن زوجه إحدى بناته و منحه ضيعة كبيرة يعيش فيها .
و يحكي سنوحي عن مقابلته الأولى لأمير رتنو و كيف رد عليه باعتزاز عندما ساله عن مصر و فرعونها الجديد :
( إن بلده يحبه أكثر مما يحب نفسه ، و يبتهج به أكثر مما يبتهج بالإله نفسه ، إنه ملك غزا منذ أن كان في البيضة ( يعني قبل أن يولد للمبالغة ) ، و هو لا نظير له بين الملوك )
أما عن حياته الرغدة في البلدة التي منحها له أمير رتنو فيقول سنوحي :
كانت بلدة طيبة اسمها إيا ، فيها تين و عنب ، و خمرها أغزر من مائها، وفير عسلها و زيتونها ، كل الثمر على اشجارها، و فيها شعير و قمح ، و لا حصر لحيواناتها)
و هكذا يعيش سنوحي حياة رغدة و ينجب اولادا، و يصير زعيما بين القوم ، و يفد إليه كل مصري يصل لبلاد رتنو فيكرم ضيافته و يساله عن الوطن .
ذلك ما كان يؤرق سنوحي المصري ، لقد خرج من الوطن لكن الوطن لم يخرج منه ، كان يعيش باشتياقه و حنينه للعودة .
قاد سنوحي جيوش الأمير لتأديب المارقين و الخارجين عليه ، مما زاد من شهرته و أوغر صدر المحاربين أبناء البلد من هذا المصري الطبيب الذي يوليه الأمير قيادة جيشه .
حتى طلبه أحد أبطال رتنو للمبارزة.
يقول سنوحي :
أنا لا أعرفه ، و لست من ذويه ، و لم أذهب يوما إلى مضرب خيامه، هل فتحت يوما بابه ؟؟ هل هدمت سوره؟؟ كلا .. إنه الحسد ) .
و هكذا يبارز سنوحي الشيخ هذا البطل الطامع في أرضه و أملاكه، و يقتله بضربة سيف قاصمة و ينتصر عليه و يحفظ ماله و هيبته ، لكن تلك الحادثة تذكره أنه غريب ، و أنه مهما امتلك و مهما وصل في المناصب ، سيظل زرعه بلا جذر ، بالرغم من أن أولاده كبروا و صاروا سادة بين القوم .
يصف سنوحي وضعه ويقول :
أصبحت أشبه بثور وسط قطيع غريب ، يضربه قائد العجول، و يهاجمه ثور طويل القرون ) .
و يرسل إلى الملك سنوسرت يستعطفه و يطلب العودة لوطنه، و أنه يتمنى الموت على أرض وطنه و ان يدفن في ترابها ، و يذكره بقرابته من زوجته و اولادها منه .
و لم يخيب الفرعون رجاه و رد عليه برسالة كريمة تشجعه على العودة :
عد إلى مصر حتى ترى الأرض التي نشأت فيها ، و قبل الأرض عند البوابة الثنائية العظمى ، و التحق بالبلاط ، لقد شخت و قل نشاطك ، فتذكر الموت و يوم الدفن ، سنوفر لك هنا موكب جنائزي يوم دفنك ، و تدفن بين النبلاء و الأمراء ، و سنجعل تابوتك من الذهب ، ستكون السماء فوقك ، و نضعك على زحافة تجرها الثيران ، و يسير المنشدون أمامك، و تقدم لك القرابين ، لا ينبغي أن تموت غريبا خارج وطنك و لا أن يدفنك البدو ) .
يقول سنوحي أنه حين قرأ كلام الملك :
ارتميت على بطني، و عفرت بالتراب رأسي .
و يعود الغريب لوطنه آخيرا، و يستقبله وفد رسمي باسم الفرعون على الحدود ، و يكرم القافلة التي أتى فيها ، لتعود لبلادها محملة بهدايا الفرعون.
و يصل سنوحي لقصر الفرعون الذي كان في استقباله هو و زوجته قريبة سنوحي و أولادهما ، يقول سنوحي :
وجدت جلالته فوق عرشه العظيم في البوابة الذهبية ، فارتميت على بطني، و ذهب عني ذكائي في حضرته، كنت كرجل خطفوه في الظلام ، فرت روحي و ارتعش جسدي ) .
و يبدو أن ملامح سنوحي كانت قد تغير بفعل السنين و هيئته صارت أقرب للبدو حتى أن زوجة الفرعون لم تعرفه و انكرته.
لكن الملك طمأنهم بأنه هو فعلا سنوحي الصديق القديم ، و عهد به إلى أحد امناء القصر حتى يهذب من شكله و هيئته، فأخذوه إلى حمام قصر أحد الأمراء ، و غسلوا جسده، و مشطوا شعره، و عطروه و ألبسوه الكتان الفاخر .
و يحكي سنوحي :
و جعلوا السنين تغادر جسدي و تنسلخ عني ، و مشطوا شعري، و ألقوا عني كل القاذورات و كل ملابس الصحراء ، و البسوني افخر الثياب ، و عطروني أفخر العطور و نمت أخيرا على سرير ، و تركت الرمال لأصحابها.
و عاش سنوحي ما تبقى له من عمر في وطنه مكرما، و لما مات وفى الفرعون بوعده و دفنه دفنا يليق بالنبلاء و الأمراء .
مات سنوحي لكن قصته لم تمت و خلدت للابد ،في رائعة أدبية جديرة بأن تكون واحدة من أمهات التراث الإنساني و ليس الأدب وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق