نصوص

على حدود الحياة.. بان الشمري

أمسكت ديما بيد أخيها ذي السبع سنوات الذي بادرها مُتسائلاً للمرة الخمسين:

– أين أمّي وأبي؟ هل سنذهب إليهما الآن؟

وكلّما سألها يقفز قلبها وتغمض عينيها بقوَّةٍ باحثة عن إجابة تجعله يُصدِّقها وتعطيه الأمل في الاستمرار والشعور بالأمان برفقتها، لكن لا توجد سوى إجابة واحدة وهي أن والديهما بانتظارهما في مكانٍ بعيدٍ جداً وعليهما أن يواصلا رحلتهما للوصول إليهما.

بدأت أطرافها تتجمَّد من شدَّة البرد وهي مُستلقية على الأرض الرطبة داخل الخيمة الصغيرة مع أخيها الصغير آدم وسط مجموعة من الغُرباء، حيث تمكَّنت من إيجاد مُتَّسع ضيِّق لهما فيها بعد أن قضت الليلة وهي تبحث عن مكانٍ يأويهما حتى الصباح، لكن كانت كلما حاولت الدخول إلى خيمة؛ تلفظها خارجاً لازدحامها الخانِق بالأشخاص المُتدثّرين بقطع القماش البالية عدا بعض المحظوظين ممَّن يمتلكون بطانيّات سميكة تدفِّئ أجسادهم المُرتَعِشة من البرد والخوف أو من الألم..

خلعت معطفها لتُغطّي أخيها الذي استغرق في النوم وهو مُلْتَصِق بها، احتضنته وهي ترتجف وتتألَّم من الحصى تحتها الذي حرص على تعذيب جسدها؛ فبقيت مُستيقظة طوال الليل تستمع لصوت بكاء الأطفال وقد خالطه صوت المطر وهو يزداد غزارة فوق سطح الخيمة ويتسرَّب منها إلى الداخل، أغمضت عينيها وتخيَّلت سريرها الناعم والدافئ في غرفتها الزهرية اللون وضوء المصباح الكهربائي الذي يعرض لها شكل النجوم على سقف الغرفة..(بووووم )! دوى انفجار جعلها تنتفض وتترك مُخيِّلتها الجميلة تتلاشى بسرعةٍ كما تركتها مُرغَمة في الواقع .

مع ظهور خيوط الفجر؛ بدأ الناس يخرجون من الخِيَم بحثاً عن الماء والطعام، طلبت من أخيها أن يبقى في الخيمة وينتظرها حتى تعود إليه بالماء وشيء من الطعام، عندما خرجت التقطت كوباً ورقياً مرمياً على الأرض وأخذت تنظر إلى ما يحمله المارَّة في إيديهم ثم تتبّعت الطريق الذي يعود منه حاملو الماء حتى وصلت إلى المكان فوجدت طابوراً طويلاً أمامها فانتظرت دورها حتى اقتربت وشاهدت بئراً صغيرة يقف بجانبها شاب يحمل دلواً مربوطاً بحبل، غرف لها الماء وصبّه في كوبها ثم تنحَّت جانباً لتشرب منه قليلاً بعد أن اشتدّ عليها العطش، لكن طعمه كان غريباً في فمها لا يشبه الماء العادي الذي كانت تشربه من صنبور المطبخ أو قناني المياه المُعقَّمة في الأسواق، ما لبثت أن سارت بضعة خطوات حتى دفعها أحد المارَّة فسقط كوب الماء من يدها،  “يا إلهي..لا !”، التقطت الكوب الفارٍغ من على الأرض وعادت مُسرِعة نحو البئر لكن لم يُفسَح لها المجال وطُلِب منها العودة إلى الطابور؛ فاضطرت إلى الوقوف والانتظار مرة ثانية حاملةً الصبر في قلبها والكوب الوَرَقي في يدها، وبعد مرور نصف ساعة تقريباً حصلت على غَرْفة من المياه فعادت تمشي بحذرٍ شديدٍ هذه المرة وهي تفكِّر بأخيها المسكين الذي ينتظرها، دخلت إلى الخيمة وارتاحت عندما وجدت آدم جالساً يلعب مع أحد الأولاد وارتسمت على وجهه ابتسامة كبيرة عند رؤيته لأخته ومدّ يده ليأخذ منها الكوب ويروي ظمأه، شرب الماء بجُرعةٍ واحدةٍ ثم استنكر طعمه المالِح وسأل أخته عن الطعام مُمْسِكاً ببطنه التي بدأتْ تؤلمه من شدَّة الجوع وتُصْدِر صوتاً كأنه صوت الريح في صحراء خاوية، فقالت له:

– وجدتُ حبّتي بطاطا صغيرتين في طريق عودتي، سأقوم بإشعال النار لنشويهما ونأكلهما معاً.

كانت رائحة البطاطس المشوية اللذيذة تتغلغل مباشرة إلى معدتهما الفارغة وتستنفذ صبرهما، تذكَّرت ديما وهي تأكل طعامها؛ المائدة التي كانت تُعدها لهم أمّها والمليئة بما لذَّ وطاب من الأكلات التي تحبّها، وصوت أبيها وهو يوبِّخ آدم عند تركه بعضاً من الطعام في صحنه من دون إكماله فيقوم بمُلاحقته حول المائدة ليضع الملعقة في فمه أخيراً وتعلو بعدها أصوات التصفيق والتهليل اغتباطاً بهذا النجاح العظيم.

مرّ شهران على اندلاع الحرب التي لا يبدو أن لها نهاية، شهران منذ أن تركت ديما ذات الخمسة عشر ربيعاً المنزل والمنطقة واتجهت مع عائلتها نحو شمال البلاد هرباً من قصف الطائرات الحربية وبحثاً عن ملاذٍ آمنٍ، حدث كل شيء سريعاً، خروجهم من المنزل من دون أمتعة، فقط المال وما يكسوهم من ملابس، وتنقّلهم بواسطة السيارات تارة والسير على الأقدام تارة أخرى حتى أصبح الطريق وعِراً لا يمكن قطعه سوى سيراً على الأقدام، وكان والداها يتناوبان على حمل الصغير آدم كلما شعر بالتعب وشرع بالبكاء، أما الآن فأصبحت هذه مهمّتها وحدها ولكنها لم تعد تمتلك القوَّة الكافية على حمله؛ فاخترعت وسيلة لحمل أخيها وهي عبارة عن صندوقٍ خشبي عثرت عليه قرب إحدى الخِيَم وربطته بحبلٍ كان طوله مناسباً لتشدّه حول بطنها بعد جلوس أخيها داخل الصندوق وتسحبه خلفها.

غادرا ديما وآدم المُخيَّم بعد أن مكثا فيه لمدّة أسبوع؛ فلم يعد مكاناً آمناً الآن عندما طالته صواريخ الطائرات الحربية ونشبت على مَقْرُبة منه معركة بين الجيوش المُتقاتلة، استمرت رحلتهما يومين مع مجموعة من العوائل عبروا خلالها الجبال والوديان حتى وصلوا إلى قريةٍ صغيرةٍ يقطنها القليل من السكان، وتفاجأت ديما عند رؤيتها لجدولٍ صغيرٍ قرب القرية وراحت تركض باتجاهه فَرِحة، بعد أن شربا من مائه واغتسلا قليلاً؛ أكملا الطريق نحو القرية لعلَّهما يجدان مأوىً آمِناً فيها ولو لليلةٍ واحدة.

كانت الرائحة لا تُطاق في هذا المكان، حتى ظنَّت أنها استغرقت بالنوم بعد أن أُغمي عليها!

استيقظت ديما على صياح الديك لتجد نفسها مُستلقية مع أخيها على كومة من القشّ في زريبة الماشية، ثم فكَّرت بأن عليها المُغادرة قبل أن يكتشف وجودهما صاحب المكان من أهل القرية؛ فهي لم تستأذنه للدخول وإمضاء الليلة هنا وسط الروائح الكريهة، أغلقت أنفها وأيقظت آدم الذي كان يسعل بدوره وخرجا بسرعةٍ فعادتْ لتتنفَّس الهواء المُنْعِش من جديد:

– آه أحتاج إلى يومٍ كاملٍ لتنقية الرئتين من تلك الرائحة، قالت ذلك ثم نظرت إلى أخيها وضحكا معاً وهما يمشيان حتى قابلا عائلة دعتهما إلى تناول الفطور في كوخهم المتواضِع، بعد أن تناولا الطعام شكرت ديما العائلة الكريمة والتحقت بالمجموعة التي سارت معهم بعد أن سمعت بمغادرتهم القرية منذ الصباح الباكر والحمد لله استطاعت اللحاق بهم بعد نصف ساعة من السير باتجاه الشمال.

وضعت ديما أخاها الصغير في الصندوق بعد أن اشتدّ سُعاله وساءت حاله حتى لم يعد قادراً على المشي، قلقت عليه كثيراً وأخذت تفكِّر وهي تجرّه خلفها بما سيحدث لهما بعد ذلك وكيف سيتمكّنان من العيش لوحدهما وأين؟ وهل ستجد عملاً ؟… استدارت لتطمئن على آدم فوجدته مُغْمَض العينين يُصدِر أنيناً ضعيفاً، وضعت راحة يدها على جبينه “يا رباه حرارته مرتفعة جداً”، أسرعت لطلب المساعدة مُشيرة إلى آدم والدموع والخوف في عينيها؛ فحمله أحد الرجال وقال لها:

-هناك مُخيَّم لمنظّمة الهلال الأحمر على بُعد بضعة أميال سنصل إليه قريباً إن واصلنا السير من دون توقّف.

لم تعد ديما تشعر بقدميها من شدَّة التعب والإرهاق لكنها لم تكن تفكِّر سوى بأخيها المريض وبالهدف “الهلال الأحمر” الذي يجب الوصول إليه بأسرع وقتٍ ممكن.

– لديه إلتهاب رئوي حاد، قال الطبيب لديما التي وقفت مشدوهة أمامه غير مستوعبة لكلامه ثم أردف قائلاً: سأعطيه خافِضاً للحرارة وإبرة مُسكِّنة فقط هذا كل ما أستطيع فعله الآن فلدينا نقص في الأدوية والمُستلزمات الطبية.

بقيت ديما قرب أخيها الراقِد في مُخيَّم المُسعفين وقد اشتدّ عليه المرض والهذيان طيلة يومين كاملين لم يستيقظ فيهما، حتى اشرقت شمس صباح اليوم الثالث الذي فارق فيه آدم الحياة، لم تستطع إخباره حتى آخر لحظة أن والديهما قد توفيا وأنه لن يراهما بعد الآن.. هذه الحقيقة التي لا يزال داخلها يرفض تصديقها منذ شهر كامل على تلقيها الخبر الصادِم وأنها لم تتمكَّن من الوصول إلى مكان سقوط القذيفة التي أودت بحياتهما، لم تتمكّن من توديعهما واحتضانهما للمرة الأخيرة, وها هي صدمتها الأخرى تصفعها بقوَّة لتجد نفسها مُلقاة أرضاً وحيدة يتيمة؛ فخيَّم الحزن والظلام على حياتها وشعرت أنها فقدت كل شيء ولم يعد هناك داعٍ للاستمرار أو الخوف من الموت.. الموت الذي جمع أخاها بوالديها سريعاً تاركاً إياها مع شوق رؤيتهم مجدَّداً .

مرَّت أيام صعبة جداً على ديما في هذا المخيَّم؛ فإلى جانب فاجعة أخيها لم تكن تحصل على الطعام والدفء بسهولة، وكانت تضطر إلى قطع مسافة طويلة سيراً لتصل إلى حاجز من الأسلاك الشائكة يفصل المُخيَّم عن معسكر للجنود يمرّرون من خلاله المساعدات للناس الذين يمدّون أيديهم من بين تلك الأسلاك للحصول على بعض الطعام؛ فمرَّرت ديما يديها الصغيرتين وتمكَّنت من الإمساك بقطعة خبز لكن عندما سحبت يديها خدشتها الأسلاك الحديدية بقسوة فسقطت قطعة الخبز على الجانب الآخر من الحاجز ولم تستطع إعادة المحاولة بسبب ألم الجروح في يديها، تراجعت إلى الخلف وقد ملأت الدموع عينيها فتعثَّرت بصخرة وأمسك بها رجل كبير بعُمر الأربعين سنة تقريباً، ما أن نظرت إليه حتى ارتمت في أحضانه وأجهشت بالبكاء، احتضنها الرجل وأخذ يدها المجروحة ولفّها بقطعة قماش ثم قال:

– هل أنتِ بخير الآن يا صغيرتي ؟

قالت ديما بغضب:

– تباً للحروب.. تباً للعالم وللحياة كلها، إن الذي يفتعل الحرب ويكون السبب في مُعاناة وقتل الناس الأبرياء هو أكبر ظالم على وجه الأرض .

– نعم إنه كذلك، أكبر مجرم ظالم على وجه الأرض.

ربتَّ الرجل الكبير على ظهرها مؤيّداً كلامها ثم أعطاها من طعامه الذي حصل عليه وسألها عن مكان أهلها فأجابته بأنها أصبحت يتيمة بعد أن فقدت جميع أفراد عائلتها، شعر الرجل بالأسى وتعاطف معها كثيراً وطلب منها أن ترافقه ليعود بالطعام لزوجته وإبنه الصغير فوافقت ديما وعادت معه إلى المُخيَّم.

مضت الأيام وديما برفقة العائلة الطيّبة التي لم تتركها وسارت معها حتى وصلت إلى حدود البلاد أخيراً، وهناك كان عليها أن تجتاز المنفذ الحدودي لتصل إلى البلد المجاور ثم السفر عبر القوارب إلى أوروبا، ضمّها الرجل الكبير إلى جانبه مع زوجته وولده وأخبر الجندي الواقف في نقطة التفتيش والعبور بأنهم عائلة واحدة وديما تكون إبنته، شعرت لحظتها بأنها فعلاً إبنته وهذه عائلتها ! كان شعوراً يبعث بالأمان والطمأنينة داخلها لم تتوقَّع أنها ستشعر به مُجدَّداً، عندما سُمِح لهم بالعبور؛ وقفت ديما على صخرة عالية عند الجبل ونظرت نحو السماء لترى قوس قُزَح كبير جداً يمتدّ من أعلى الغيمة في الأفق ناحية الشرق وينتهي عند غيمة أخرى في الغرب منها، كان قريباً وواضحاً بألوانه السبعة حتى شعرت أنها تكاد تلمسه بيديها.

ارتدت ديما سترتها البيضاء وراحت تركض في ممر المستشفى عندما جاءتها حال مرضية مستعجلة، كان الطفل الصغير يسعل بقوَّة ويتنفَّس بصعوبة؛ فوضعت له جهاز الأوكسيجين وحقنته بمُضاد حيوي وراقبته حتى استقرّتْ حاله وأخذ يتنفَّس بشكلٍ طبيعي ثم خرجت من الغرفة واستندت على الحائط، أغمضت عينيها ومر أمامها شريط الذكريات لأخيها الصغير في ذلك المُخيَّم وهي ترقد بجانبه مُكبَّلة اليدين عاجزة عن إنقاذه، مرَّت اثنتا عشرة سنة على ذكرى رحيل عائلتها خلال الحرب التي استمرَّت ستة أشهر ورحيلها عن بلدها الأمّ من دون عودة، وها هي الآن الطبيبة الناجحة ذات الثمانية وعشرون عاماً أصبح هدفها الوحيد في الحياة إنقاذ الأرواح والتطوّع في المنظمّات والمعسكرات الطبية لمُعالجة المرضى وجرحى الحروب.

في مساء اليوم عادت ديما إلى منزلها وجلست أمام جهاز الحاسوب كعادتها، لكنها هذه المرة قرَّرت أن تفتح صفحة بيضاء وتكتب أول جملة من روايتها “وقفتُ على قمّة الجبل ولمستُ قوس قزح بيدي”.

  • المصدر: الميادين نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق