حوارات وتحقيقات

طلاق كبار السن ظاهرة محبطة للمتزوجين الجدد

الانفصال عن شريك الحياة بعد عِشرة طويلة وليد للتراكمات النفسية السلبية*

ترسم ظاهرة الطلاق في صفوف كبار السن، صورة سلبية عن الزواج في أذهان الشباب، تؤثر على تقييمهم للعلاقات الزوجية، وتجعلهم يعتقدون أن الارتباط لن يحقق لهم السعادة على المدى الطويل، ويتوجسون كذلك من أن يهجرهم شركاؤهم.

القاهرة – اتخذت الخمسينية سماح إبراهيم، أصعب قرار في حياتها، عندما قررت الانفصال عن زوجها رغم مرور ثلاثين عاما من الزواج، بعدما أبلغها الأطباء بشفائها من مرض السرطان، وإتمام زواج آخر بناتها الثلاث، وقد كانت تنتظر الفرصة للخلاص من هذه الزيجة التي وصفتها بالفاشلة ولم تكن لتستمر يوما واحدا بعد ذلك.

التزمت سماح الصبر طوال هذه الأعوام مع زوجها، حفاظا على مستقبل بناتها، وفضّلت تحمّل الصعاب كي تطمئن عليهن، ولا تتسبب في عزوف الشباب عن الارتباط بهن إذا ما قررت الطلاق قبل زواجهن واستقرارهن، لتختار أن تقضي باقي حياتها بعيدة عن بخل وتنمّر زوجها الذي رفض الإنفاق على علاجها.

وقالت سماح لـ”العرب”، إن طول فترة الزواج لا تعكس بالضرورة حالة الرضا والاستقرار والراحة النفسية التي تعيشها الزوجة، فقد تكون حياتها عبارة عن سجن، تتحمّل داخله سوء معاملة الشريك وإهاناته والاعتداء الجسدي والنفسي من أجل أبنائها، لكن عندما كبر أطفالها وشعرت أنها أدت واجبها في تعليمهم وزواجهم، أعادت التفكير في حياتها وبحثت لنفسها عن حل يجعلها تعيش بقية عمرها مرتاحة.

لا تنكر سماح أن قرارها بالطلاق نزل كالصاعقة على زوجها وعائلته وأسرتها أيضا، خاصة وأنها تحمّلت سنوات صعبة، ولم يعد في العمر أكثر ممّا مضى، وتمسكت بموقفها، ورغم تحذيرات الأهل بأنها لن تتحمّل نظرات المجتمع فلم تتراجع، وصارت تعيش وحيدة يتردد عليها أشقاؤها وجيرانها على فترات، وتقدمت مؤخرا للعمل بإحدى دور رعاية الأطفال لملء أوقات فراغ يومها.

لم تكن سماح حالة استثنائية لامرأة انفصلت عن زوجها في مصر بعد مرور سنين طويلة، فهناك نسبة كبيرة من العلاقات الزوجية انتهت بعد فترة تجاوزت العشرين عاما، حسب إحصائية رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة (جهة حكومية معنية بالإحصاء)، حيث ذكرت أن النسبة في ارتفاع مستمر، رغم أن المجتمع المصري في الماضي لم يكن معروفا بهذه الظاهرة.

من المتعارف عليه، أنه كلما طالت فترة الزواج، فإن نسبة احتمال الطلاق تكون أقلّ، بحكم العشرة والتقارب بين الزوجين في الكثير من الاهتمامات والصفات، وتصبح العشرة قوية عندما يرزقون بالأبناء ويكبرون في كنفهم، لكن يبدو أن التغيرات التي طرأت على الحياة الأسرية غيّرت هذه القواعد وصار قرار الانفصال ثقافة عند كل الفئات الاجتماعية.

المرأة تتخوف عادة من طلب الطلاق بعد سنوات طويلة من الزواج، خشية مواجهة التنمّر والسخرية والإهانة من الأهل والمجتمع

وما يثير مخاوف خبراء الأسرة، أن طلاق الأزواج من كبار السن أصبح ظاهرة محبطة للمتزوجين الجدد، بحكم أنهم كانوا قدوة ومثلا أعلى للشبان والفتيات المتزوجين حديثا، وكثيرا ما قدّم أصحاب الزيجات طويلة المدى دروسا للفئات العمرية الأقل سنا، في كيفية التشبث بالاستقرار أمام تشعّب المشكلات.

وتكمن المشكلة لدى أيّ مجتمع شرقي، في أنه يدين الزوجة التي يتم تطليقها أو تطلب الانفصال بعد فترة طويلة من الزواج، بغض النظر عن الأسباب والدوافع، جراء العقلية الذكورية التي تجعل المرأة متهمة حتى وإن كانت ضحية، دون اكتراث بأنها وصلت إلى مرحلة يستحيل معها الاستمرار في هذه الزيجة التي ذاقت فيها مرارة الإهانة.

ويرتبط تخوف المرأة عادة من طلب الطلاق بعد سنوات طويلة من الزواج، بخشيتها مواجهة التنمّر والسخرية والإهانة التي قد تتعرض لها من الأهل والمجتمع، في حين أن الرجل لا يتعرض غالبا لأيّ نقد، حتى لو تزوج من فتاة صغيرة يكاد يكون عمرها في سن إحدى بناته، وهو ما أصبح يفكر فيه الكثير من الرجال.

وأكدت أسماء عبده، استشارية في العلاقات الزوجية، أن هناك جملة من الأسباب التي تدفع العلاقة الزوجية في سن متقدمة إلى الانهيار، على رأسها أن التغيرات التي طرأت على المجتمع والانخراط في مواقع التواصل، والانفتاح على العالم الخارجي، جعلت بعض الأزواج يحنون إلى الماضي، بأن يبدأ أحد الزوجين حياة زوجية مع شخص آخر يكون أصغر في سنّا.

وأضافت أسماء لـ”العرب”، أن زواج المرأة المطلقة في سن كبيرة صعب في مجتمع يدينها ويوصمها ويتهمها بخيانة العشرة، أما الرجل فيمطره الأصدقاء والأهل بالثناء والنصائح ويرفعون من معنوياته بالقول إنه ما زال شابا وبإمكانه الزواج من فتاة صغيرة تعوضه عن زوجته التي تقدمت في العمر، وهنا تشعر الزوجة الأولى بالإهانة فتضطرّ لطلب الطلاق، لاستحالة الحياة مع شخص صار يعتبرها مسنة.

ولفتت إلى أن الحرمان العاطفي الذي يعيشه طرفا الحياة الزوجية لفترة طويلة، يولّد مشاعر سلبية يصعب التخلص منها في سن معينة، وغالبا ما يكون ذلك بين الأربعين والخمسين عاما، ما يدفعهما إلى الانفصال، إذ يفكر كلاهما بأن الشريك ليس أكثر من عبء، ليقرر الاثنان البحث عن الراحة بالطريقة التي ترضيهما؛ فهذا يتزوج والطرف الثاني يترهبن.

ووفق إحصائيات رسمية مصرية، تقع أغلب حالات الطلاق بين الأزواج المتقدمين في السن عندما يصبح عش الزوجية خاليا من الأبناء، أيّ بعد استقرار الأبناء في بيوتهم بحكم الزواج، وهنا يعيد كل طرف التفكير في دوافع الارتباط بشريك الحياة، هل بسبب الأبناء، أم الحب والمصير المشترك؟

أحلام وردية تصطدم بواقع مخيفأحلام وردية تصطدم بواقع مخيف

ويقول متخصصون، بعد خلوّ بيت الزوجية من الأبناء بشكل مفاجئ، لظروف زواجهم، تصبح علاقة الأب والأم تحت المجهر، بعد فترة طويلة من الانشغال بأعباء التنشئة والتربية والتعليم، وفجأة تتعرّى الحقيقة، وقد يشعر كلاهما بالغربة عن الآخر، أو يعتقد الطرفان أن العاطفة مفقودة بيتهما، ليسأل أحدهما نفسه: ما فائدة هذه العلاقة؟

وتكمن الخطورة في أن يتوقف الزوجان عند مرحلة تقييم العلاقة بعد فترة طويلة، ويقوم كل طرف باستخدام ميزان الآمال والأحلام مقابل الهموم والآلام، وقد يصل أحدهما إلى قمة الإحباط ويقرر التخلص من هذا العبء، إذا ما تملكه الشعور بأنه لا أمل في التغيير إلى الأفضل، مع أن الطلاق قد يكون الحل الوحيد للراحة.

ورأى محمد هاني، المتخصص في الطب النفسي، أن اتخاذ أحد الزوجين قرارا بالانفصال في سن متقدمة، ليس وليد اللحظة، لكنه نتيجة تراكمات وأعباء لم يعد يستطع تحمّلها مهما كانت التداعيات، وهنا تصل العلاقة إلى حدّ الكراهية. ومشكلة الأزواج في الوقت الراهن، تكمن في انشغال كل من الطرفين بمتاعب الحياة عن بعضهما، وكلاهما يرى أن صمت الآخر دليل على الرضا بالأمر الواقع.

وبعد أن كان الكبار قدوة لصغار السن في الزواج، صار حديثو العهد مثلا أعلى لبعض المتقدمين في السن باستسهال الطلاق لغلق المنافذ أمام الأزمات.

ويوضح هاني لـ”العرب”، إن “سيطرة لغة الصمت بين بعض الأزواج وعدم المواجهة في حينها لتفريغ شحنات الغضب ونسيان ما حدث، قد يقود إلى تفاقم المشاعر السلبية، حتى يصل الأمر حدّ الانفجار، وتظهر الأزمة بعدما يتم تخزين الذكريات السيئة والمؤلمة والشعور الدائم بأن كلّا من الطرفين تحوّل إلى خادم لشريك حياته، أو حين تكون لأحدهما نقائص جنسية فيشعر الآخر بأنه يعاني فراغا عاطفيا”.

ويصعب إنقاذ الحياة الزوجية، وإن طالت، من الطلاق في مرحلة متقدمة، لأن أغلب الذين خاضوا التجربة ينتابهم الشعور بأن شبابهم سُرق ولم يستمتعوا بهذه الفترة بشكل كامل، وانخرطوا في المسؤوليات سريعا، ما يجعل بعضهم يعيد التفكير في أخذ ما تبقى من حقوقه التي يرى أنه حُرم منها في المرحلة السابقة، ويفكر بمنطق؛ لا يزال الأمل قائما طالما في العمر بقية، ثم تتبخر العشرة مهما طالت مدتها.

  • العرب
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق