ثقافة و فنون

شاعرة وموقف .. بقلم / صلاح عبد الستار محمد الشهاوي

 

(ليلى الأخيلية) (تقية أم علي) (الشاعرة العاشقة) (الشاعرة والفقيه)

لم تكن المرأة العربية منذ أقدم العصور بمعزل عن الحياة الأدبية للمجتمع لسبب واضح وهي أنها لم تكن بمعزل عن الحياة الاجتماعية, فكانت تشارك في كل شيء حتى في الحروب, أما ما شغل النقاد منذ بداية الستينيات من القرن العشرين وأعياهم في تحديد هوية ما أسموه فن (الشعر النسائي), أي ذلك الذي يميز صوت المرأة عن صوت الرجل في الشعر, حيث حددوا مثلاً أنواعاً معينة من أشكال الشعر تتميز بها وتتفوق فيها المرأة مثل الرثاء والوصف, فهذا يصب في صالح المرأة الشاعرة, حيث يكون لها صوتها المميز والمختلف, وإلا فما حاجتنا إلى امرأة شاعرة إذا لم يكن لها خصوصية المرأة أولاً ثم الشاعرة ثانياً.

من هذا ما يرويه الميداني في مجمع الأمثال : ” إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فلتذبحمعلقاً علي ما قاله الفرزدقفي امرأة قالت شعرا وبغض النظر عن صحة القول المنسوب إلى الشاعر علينا أن نتأمل مغزى كلمتي (صاحت) و)صياح), فهما تخفيان حقيقة شعر المرأة على مر العصور, وهما المدخل لأي دارس للتراث الأدبي الذي خلفته المرأة سواء أنصفه التاريخ الأدبي أم ظلمه, ومعنى هذا أن (صوت المرأة ) لم يكن يشبه دائماً (صوت الرجل) ولو مررنا بنظرة سريعة عجلي على التاريخ الأدبي لتعرّفنا على الدور المهم للمرأة في الشعر العربي.

فكانت الخنساء واحدة من الشعراء الذين يُعدّون لعكاظ في موسم الشعر المعروف, وكان يجتمع إليها النابغة الذبياني وحسان بن ثابت ويسمعان منها, وقد ورد أنها أنشدت حسان بن ثابت, فقال ما رأيت امرأة أشعر منك, فقالت ولا فحلا, فقال حسان ولا فحلا.

كما كان لعمرة منتدى يجتمع إليه الرجال للمحادثة وإنشاد الأشعار والأخبار يقول عنها الأصفهاني (امرأة جزلة برزة يجتمع إليها الرجال للمحادثة وإنشاد الأشعار والأخبار), كذلك كان منتدى خرقاء في مكة وهي الأخرى يجتمع إليها الرجال تناشدهم الأشعار بلا ريب أو سوء ظن, وفي صدر الإسلام اختلف الأمر عمّا كانت عليه المرأة في الجاهلية فظهرت المرأة الفقيهة بجانب الشعر والأخبار. وعبر التاريخ الإسلامي كانت كثيرات من النساء قد برعن في الشعر والفقه وحفظن الأحاديث والأحكام حتى ظفرت منهن مَن ظفرت بلقب المسندة والحافظة ولا يُمنح هذا اللقب إلا لمن امتاز بالدقة العلمية والصدق في الرواية والأمانة.

وفي العصر الأموي, ظهر الكثير من المنتديات النسائية الشعرية مثل منتدى جميلة ونادي سلامة وعائشة بنت طلمة والسيدة سكينة بنت الحسين التي يقول عنها الأصفهاني: “عفيفة سليمة برزة من النساء تجالس الأجلة من قريش ويجتمع بها الشعراء“.

وفي الأندلس كانت ولاّدة وحفصة بنت الحاج الركونية وعائشة القرطبية ونزهون بنت الغرناطي وكلهن كن يعقدن في قصورهن بقرطبة ندوات أدبية حافلة بالشعراء والأدباء ورجال العلم والفنون. يقول صاحب كتاب نزهة الأبصار والأسماع عن ولادة: “إنها كانت سرية النفس شريفة الأصل لا تترك أحداً يتصرف في مجلسها ولا بالدرهم الفرد“- لاحظ أن كل هذه الأسماء نساء شاعرات حرائر-.

هذه المنتديات النسوية العربية سبقت صالونات الأدب النسوية في أوربا بعشرات القرون, ويكفي المرأة العربية فخراً واعتزازاً أنها في الوقت الذي كانت فيه مثيلتها الأوربية تغط في نوم عميق كانت هي في أعلى درجات العلم والتقدم.

ولـو لم يكن للمرأة العربية فضل على الشعر لكفاها أنها أحد أسباب قول الشعر, فالشاعر احتفل بالمرأة منذ القدم, فكان يبدأ القصائد بذكرها والوقوف على أطلالها والتشوّق إلى أيام الوصال معها, وحين أعلن أبو نواس ثورته على الوقوف على أطلال المحبوبة وطالب باستبدال الحديث عن مظاهر الحضارة العباسية بها قوبلت ثورته بالاستنكار والازدراء حتى عدل عنها وعاد إلى الحديث عن الأطلال والمرأة في فواتح قصائده.

وكثير من الشعراء جعلوا المرأة حكماً فاصلاً بينهم تحكم على أيهنّ أشعر.

فهذا امرؤ القيس زعيم الشعراء العرب جعل زوجته أم جندب حكماً بينه وبين خصمه علقمة الفحل ورضي الاثنان بحكمها وجلسا أمامها كتلميذين صغيرين وهي تقوي حجة هذا وتضعف حجة ذاك حتى انتهت من حكمها بتفضيل علقمة على امرؤ القيس.

وبعد, فالشاعرات المجيدات كثيرات أكثر من أن يحصين, ويجب أن نورد ما ذكره جلال الدين السيوطي في كتابه نزهة الجلساء في أشعار النساء: “هذا جزء لطيف في النساء الشاعرات من المحدثات دون المتقدمات من العرب العرباء من الجاهليات والصحابيات والمخضرمات, فإن أولئك لا يحصين كثرة, بحيث جمع ابن الطراح كتاباً في النساء الشواعر من عدة مجلدات رأيت منه المجلد السادس وقد سميت هذا الجزء نزهة الجلساء في أشعار النساء.

 

?

وهذه نماذج لأربع شاعرات من أصحاب المواقف نوردها كالتالي:

1-  ليلى الأخيلية

ليلى الأخيلية (ليلى بنت عبد الله بن الرحال بن شداد بن كعب الأخيلية من بني عامر بن صعصعة).
شاعرة فصيحة ذكية جميلة. نالت من الشهرة حقها، لأنها كانت شاعرة مجيدة، عرفت بعشقها المتبادل مع ابن عمها الشاعر والفارس توبة بن الحُمَير. لها العديد من قصائد الشعر في العشق والغزل والرثاء واغلب رثا ؤ ها فيمن عشقته وهو توبة كما كان بينها وبين الشاعر النابغة الجعدي مهاجاة، وهي واحدة من الشاعرات المتميزات في عصرها اذ لا يتقدمها في الشعر من النساء سوى الخنساء. بادلت توبه العشق والمحبة وكان يعرف توبة بالشجاعة والخلق الكريم وعرفت هي بجمالها وفصاحتها وشاع حبهما بين الناس وتقدم توبة لخطبتها من أبيها إلا أن والدها رفضه بسبب اشتهار أمرهما وذيوع قصة حبهما ثم قام والدها بتزويجها من رجل آخر من بني الادلع. وعلى الرغم من هذا استمر اللقاء بين توبة وليلى فشكوه إلى قبيلته فلم يمتنع فقام قومها بشكواه إلى السلطان فأباح لهم إهدار دمه إن أتاهم للقائها مرة أخرى، وقصة توبة بن الحمير وليلى الاخيلية فهما شاعران تحاببا وفاض حبهما منهلا شعرا كثيرا زاخرا بالمودة المحبة والإخلاص والوفاء لبعضهما فهي قصة حب عذري لامست الكثير من المشاعر المعروفة كباقي قصص الحب العذري التي شاعت في ذلك الوقت في مجتمع اقرب ما يكون إلى بدايات الإسلام وقواعده الشرعية تلك التي حكمت سلوك الأفراد وسيرت مقاصدهم وركزت على نواياهم الدفينة غير المعلنة و في رقابة نفسية نوعية تأسر النفس والقلب والسلوك المجتمعي في ظل معايير حفظ الجانب للأخر والابتعاد عن الظن وتسليم الناس من الأذى في القول والفعل وفي ترك خواتم الأعمال التي لا حكم لها إلا على النية التي لا يعلم بها إلا الله تعالى، فكانت قصة حب نقية لا شائبة فيها وتبقى في إطارها الذي جعل ليلى الاخليلة بشعرها المخضرم بين صدر الإسلام والعصر الأموي لتعيش بقية حياتها بين زمن الأمويين التي تركزت سيرتها أكثر ما يكون في هذه الحقبة الزمنية والتي اعتبرت من شعراءها

ما قاله توبة فيها:

       نأتك بليلى دارها لا تزورها      وشطت نواها واستمر مريرها
وخفت نواها من جنوب عفيرة   كما خف من نبل المرامي جفيرها
يقول رجال لا يضيرك نأيها       بلى كل ما شق النفوس يضيرها
أليس يضر العين أن تكثر          البكى ويمنع منها نومها وسرورها
لكل لقاء نلتقيه بشاشة            وإن كان يوماً كل حول نزورها
خليلي روحا راشدين فقد أبت      ضرية من دون الحبيب وتيرها

    يقر بعيني أن أرى العيس تعتلي    بنا نحو ليلى وهي تجري صقورها

وليلي شاعرة بني (عامر) من أهم شاعرات العرب المتقدمات في الإسلام. عاشت في الجاهلية والإسلام وشهدت العصر الذهبي للشعر في العهد الأموي، ولم يتقدمها أحد من النساء سوى الخنساء. توفيت 85هـ في منطقة ساوة في محافظة ذي قار في العراق, كانت فارعة الطول، أخاذة الجمال، دعجاء العينين، حسنة المشي، مبسومة الثغر. فاقت أكثر الفحول من الشعراء، وشهدوا لها بالفصاحة والإبداع ومنهم الفرزدق الذي فضلها على نفسه، وأبو نواس الذي حفظ الكثير من قصائدها، وأبو تمام الذي ضرب بشعرها المثل، وأبو العلاء المعري الذي وصف شعرها بأنه حسن ظاهره. نشأت منذ صغرها مع ابن عمها توبة بن الحمير فعشقها وعشقته، ورفض أبوها تزويجها منه. أما قصة إنقاذها له بعد أن هـدر دمه فمعروفة: زارها يوماً فظهرت إليه من خيامها حاسرة الرأس، سافرة الوجه على غير عادتها ففطن لغرابة ذلك فهرب ونجا من الموت، 

مدحته وأشادت في خصاله حتى قال لها معاوية بن أبي سفيان: ويحك، لقد جزت بتوبة قدره. فأجابته بأنها مقصرة بحقه ونعته، وقالت:

   أتته المنايا حين تم تمامه           وأقصر عن كل قرن يطاوله

  وكان كليث الغاب يحمي عرينه       وترضى به أشباله وحلائله

  غصوب، حليم حين يطلب حلمه      وسم زعاف لا تصاب مقاتله

ومما قالته في توبه:

  أيا عين بكي توبة بن حميرِ       بسح كفيضِ الجدول المتفجرِ

  لتبك عليه من خفَاجة نسوة       بماء شؤونِ العبرة المتحدرِ

 سمعن بِهيجا أزهقَت فذكرنه       ولا يبعث الأَحزان مثل التذكرِ

 كأن فَتى الفتيان توبة لم يسر       بِنجد ولم يطلع مع المتَغَورِ

 ولَم يرِدِ الماء السدام إذا بدا سنا   الصُّبْح في بادِي الجواشي مو ر

ومن شعرها هذه الأبيات الرائعة:

    طرِبت وما هذا بساعة مطرب   إلى الحي حلوا بين عاذ فجبجبِ

    قَديماً فأَمست دارهم قَد تلَعبت  بِها خرقات الريحِ من كل ملعب

    وكم قَد رأى رائِيهم ورأَيته      بِها لي من عم كرِيم ومن أَبِ

    فَوارس من آل النفاضةِ سادة    ومن آلِ كعبٍ سؤد غير معقَبِ

   وحي حرِيد قد صبحنا بِغارة     فَلم يمسِ بيت منهم تحت كوكبِ

   شننا عليهم كل جرداء شطبةٍ     لَجوجٍ تباري كل أَجرد شرجبِ
أَجش هزِيم في الخبارِ إذا انتحى   هوادِي عِطفيهِ العنان مقرب

    لوحشيها من جانبي زفيانِها      حفيف كخذروفِ الوليد المثقّب

    إذا جاش بالماء الحميم سِجالها  نضخن بِهِ نضخ المزاد المسربِ

    فذر ذا ولكني تمنيت راكباً        إذا قال قَولا صادقا لم يكذبِ

أجزها أحد جلساء الحجاج بن يوسف الثقفي يوماً، وهو أسماء بن خارجة الفزاري، قصد إحراجها فقال بأنها تصف هذا الرجل (توبة) بشيء لا تعرفه العرب عنه، فردت ليلى: والله لو رأيته لوددت كل فتاة شابة في بيتك حاملاً منه، فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان لخجله.

ولما كانت في سفر، مرت على قبر توبة وأبت إلا أن تسلم عليه راكبة، وكانت بجانب القبر بومة، فزعت فطارت في وجه الجمل فجفل ورماها من فوقه على رأسها فماتت ودفنت بجانب توبة

  2- (تقية أم علي) التي أطرق لها الملك معتذراً

تقية أم علي (505-579هـ) أديبة فاضلة وشاعرة مجيدة مشهورة، كتب عنها الحافظ أبو طاهر السلفي في معجم السفر فقال: “لم أر شاعرة غيرها“. وقال عنها صلاح الصفدي: “كانت فاضلة، ولها شعر وقصائد ومقاطيع“. وتقية أم علي هي ابنة بنت أبو الفرج غيث بن علي (خطيب مدينة صور وعنده فضل وهو من كبار النحاة والقراء، ترجم له تلميذه ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق، فقال في ترجمته: “غيث بن علي بن عبد السلام بن محمد بن جعفر: أبو الفرج بن أبي الحسين الصوري المعروف بابن الأرمنازي الكاتب، خطيب صور، قدم دمشق قديماً في طلب الحديث فسمع بها، وسمع بصور أبا بكر الخطيب وغيره، وسمع بتنيس، وسمع بمصر والإسكندرية وغيرها من البلاد وسمع الكثير، وكتب الكثير بخط حسن، وجمع تاريخاً لصور إلا أنه لم يتمه، وكان ثقة ثبتاً“)، ذكر الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله أن مولدها بدمشق في المحرم سنة خمس وخمسمائة، وتوفيت في أوائل شوال سنة تسع وسبعين وخمسمائة بالإسكندرية

تتلمذت علي الحافظ المحدث أبي طاهر السلفي شيخ علماء الإسكندرية بعد أن حصلت علم أبيها، وكانت تخلص للحافظ إخلاصاً بعيداً، وكان ينظر إليها بعين التقدير حتى ليذكر في درسه بعض آرائها العلمية لطلابه، وقد زار السلفي والدها ذات يوم، فجرحت قدمه بالمنزل عفواً بتأثير زجاجة صغيرة ارتطم بها في سيرة، فشقت وليدة في الدار خرقة من خمارها، وعصبته، فشق ذلك على تلميذته المخلصة، وقدت من خمارها أيضاً شريطاً لقدم أستاذها، وعصبت الجرح ثم أسعفتها البديهة، فقالت شعراً ارتجالياً يصور عاطفتها نحو أستاذها، ومنه:

             لو وجدت السبيل جدت بخدي     عوضاً عن خمار تلك الوليدة

            كيف لي أن أقبل اليوم رجلاً        سلكت دهرها الطريق الحميدة.

وروي الشيخ الأمين أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة الأنصاري الحموي بدمشق، قال أنشدتنا الأديبة أم علي تقية ابنة أبي الفرج غيث بن علي الأرمنازي لنفسها بثغر الإسكندرية، تمدح شيخنا الحافظ أبا طاهر السلفي، وتعتذر إليه لانقطاع ولدها أبي الحسن بن صمدون عن مجلسهن وملازمته للشريف أبي محمد بن أبي اليابس الديباجي، وكان الحافظ قد غضب عليه بسبب ذلك:
تالله ما غبت عنكم مللا      ولا فؤادي عن الدنو سلا
وكيف أنسى جميلكم ولكم     علي فضل يبلغ الأملا
أنقذتموني من كل مهلكة      فلست أبغي بقربكم بدلا
داركم مذ حللت ساحتها       كأنني الشمس حلت الحملا

       أسحب ذيلي في عزها مرحاً    وكنت قدماً لا أعرف الخيلا
وإنما غبت عنكم خجلاً        لأن ذنبي يزيدني خجلا
تقول عيني ودمعها وكفٌ     لما رأت عبدكم قد انتقلا
وزدت في عذله لأردعه      وهو عصي لا يسمع العذلا
حتى إذا زدت في ملامته      وظن قلبي بأنه اعتدلا
قلت له والدموع واكفة        والقلب مني للبين قد وجلا
كيف تطيق البعاد عن رجل    حوى جميع الفنون واكتملا؟
الحافظ الحبر والذي اكتملت    به المعالي وزين الدولا
أولاك فضلاً وسؤدداً وحجاً     فصرت في الناس أوحد الفضلا
فقال حظي لديه محتقر          إن قلت قولاً أجاب عنه بلا
يرفع دوني والعين تنظره       ولم أزل صابراً ومحتملا
وكل واشٍ أتاه في سببي        صدقه وهو قائل زللا
كأنني المشركون إذ خدموا     لا يرفع الله عنهم عملا
فصنت عرضي بنقلتي أسفاً    ولم أجد مسلكاً ولا سبلا
حتى كأن البلاد لست أرى     في ساحتيها سهلا ولا جبلا
ثم قرأت العلوم منعكفاً        كيلا يقول الوشاة قد بطلا
فهو إمامي ولا يرى أحد     بين فؤادي وبينه خللا
أمدحه ما حييت مجتهداً       في كل ناد ومحفل وملا
فأن حباتي يزيدني شرفاً     وإن قلاني فليس ذاك قلى
فالله يبقيه دائماً أبداً          وزاده الله رفعة وعلا
ما لاح برق وما دجا غسق   وما همى وابل وما هطلا

ومن شعرها:

      نأيت وما قلبي عن النأي بالراضي     فلا تغترر مني بصدي وإعراضي      
وإني لمشتاق إليهم متيم وقد          طعنوا قلبي بأسمر عراضِ
إذا ما تذكرت الشام وأهله بكيت      دماً حزناً على الزمن الماضي
ومذ غبت عن وادي دمشق كأنني    يقرض قلبي كل يوم بمقراضِ
أبيت أراعي النجم والنجم راكد       وقد حجبوا عن مقلتي طيب إغماضِ
فهل طارق منهم يلم بناظري         فإن لقاء الطيف أكثر أغراضي
لعل الليالي أن تجرد صارماً        على البين أو يقضي لها حكم قاضي

ومن أخبارها أنها مدحت الملكالمظفربقصيدة بدأتها بوصف مجالس الأنس كما كان المعتاد لدي شعراء عصرها فأعجب بها الملك، ولكنه تبسط مع بعض خاصته فقال: لا شك أن الشيخة تعرف هذه المجالس من صباها فوصفتها هذا الوصف البديع!. وطارت الكلمة إلي الشاعرة العالمة الحصيفة، فغضبت لنفسها غضباً مهذباً مفحماً، إذ أنشأت قصيدة حربية تصف فيها حلبة الهول واصطدام الأسنة، واشتجار الرماح وصفاً رائع المنحي جيد الصورة، ثم تقدمت بها إلي الملك المظفر قائلة في أدب جمّ: إن علمي بمجالس الأنس كعلمي بحلبات القتال، فأطرق الملك معتذراً.

3- حفصة بنت الحاج الركونية (الشاعرة العاشقه)

شاعرة غرناطة في القرن السادس والتيلم تجد ـ في ذلك العصر ـ حرجاً في الكشف عن لهفتها وشدة اشتياقها للحبيب؟ إنها تعلنها صريحة في أبيات عذبة تضع فيها حفصة الركونية من المحسنات البديعية ما يزيدها حسناً وجمالاً دون أن يخل بروعتها إذ تخاطب من المرأة مهما لج بها العشق ومهما صنعت بها الصبابة فإنه يجمل بها, ولو من باب المراعاة لجنسها أن تخفي بعض ما تجد وأن تكون مطلوبة لا طالبة ومرغوبة لا راغبة لكن شاعرتنا عكست الآية عندما بعثت هذه الأبيات إلى من تحب وقد فقدت دلال المرأة وكبرياءها

                أزورُكَ أمْ تزورُ؟ فإنّ قلبي     إلى ما تشتهي أبداً يميلُ

               فثغري موردٌ عذبٌ زُلالٌ      وفرعُ ذؤابتي ظِل ظليلُ

               وقد أملتُ أن تظما وتُضحي   إذا وافى إليك بي المقيلُ

                فعجلْ بالجوابِ فما جميلٌ     إباؤُك عن بثينةَ يا جميلُ

وقالت تتغزل في حبيبها الوزير أبي جعفر أحمد بن سعيد

          أغار عليك من عيني رقيبي      ومنك ومن زمانك والمكان

         ولو أني خبأتك في عيوني         إلى يوم القيامة ما كفاني

وقولها:

        ثنائي على تلك الثنايا لأنني     أقول على علم وأنطق عن خبر

        وانصفها لا أكذب الله إنني      رشفت بها ريقاً ألذ من الخمر

ولما طمع أمير غرناطة الموحدي أبو سعيد عثمان بن عبد المؤمن في حبها، وقتل حبيبها أبا جعفر سنة 559 هـ/1198م من أجل ذلك حزنت عليه حفصة كثيرا وجاهرت برثائه والبكاء عليه ولبست الحداد، فهددها المؤمن، فقالت:
هددوني من أجل لبس الحداد     لحبيب اردوه لي بالحداد

          رحم الله من يجود بدمع          أو ينوح على قتيل الأعادي

          وسقته بمثل جود يديه             أحيث أضحى من البلاد، الغوادي

ومن مراثيها فيه:
ولو لم يكن نجما لما كان ناظري        وقد غبت عنه مظلما بعد نوره

    سلام على تلك المحاسن من شجت      ناءت بنعماه وطيب سروره

ومن ذلك أيضا:

     سلوا البارق الخفاق والليل ساكن      أظل بأحبائي يذكرني وهنا

    لعمري لقد أهدى لقلبي خفقة          وأمطرني منهل عارضه الجفنا

 

4- الشاعرة والفقيه

الشاعرة هي: فاطمة بنت الخشاب.

شاعرة من شعراء القرن الثامن الهجري عاقلة شريفة.

*الفقيه هو: شهاب الدين بن أحمد بن يحي بن فضل الله القرشي العمرينسبة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه– (700/749هـ -1301/ 1349م) قاضي فقيه إمام ومؤرخ حجة في معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم والبلدان، إمام في الترسل والإنشاء، عارف بأخبار رجال عصره وتراجمهم، غزير المعرفة بالتاريخ ولا سيما تاريخ ملوك المغول من عهد جنكيزخان إلى عصره.

أجل آثاره مسالك الأبصار في ممالك الأمصارقال فيه ابن شاكر: كتاب حافل ما أعلم أن لأحد مثله. وله مؤلفات كثيرة منها: مختصر قلائد العقيان، الشتويات، مجموع رسائل، لنبذة الكافية في معرفة الكتابة والقافية، ممالك عباد الصليب، الدائرة بين مكة والبلاد، التعريف بالمصطلح الشريف، في مراسم الملك وما يتعلق به، فواضل السمر في فضائل آل عمر، يقظة الساهر، نفحة الروض، دمعة الباكي، صبابة المشتاق في المدائح النبوية.

والقصة: نقل الصفدي من خط القاضي – شهاب الدين بن فضل الله. قال: بلغني عنها وقد سكنت قريباً منى أنها تجيد النظم، فكتبت إليها لأمتحنها في شهر رجب سنة تسع عشرة وسبع مئة:

             هل ينفع المشتاق قرب الدار      والوصل ممتنع علي الزوار.

فأجابت:

          إن كان غركم جمال إزاري          فالقبح في تلك المحاسن واري.

والحقيقة أن امتحان ابن فضل الله العمري لفاطمة بنت الخشاب كان من باب المعاكسات أو ما يطلق عليه اليوم التحرشكتب إليها ليمتحنها (لماذا يمتحنها؟) ولماذا لم يمتحنها بمكاتبات العلماء أو بتهنئة في عيد أو بلغز كما كان يفعل مع أصدقائه؟ وهذا الامتحان هل يحتاج إلى ستة وعشرين بيتاً من غزل ليس بمجون غزل ابن أبي ربيعة وبشار وأبي نواس، ولكنه ليس في عفة الشعراء العذريين كما أن قوله بلغني عنها وقد سكنت قريبا مني فيه التفاف ومداورة فمن المؤكد أنه قدر رآها وغلب جمالها وحسنها علقه ونفسه فكتب إليها بحجة امتحانها قائلا:

        هل ينفع المشتاق قرب الدار       والوصل ممتنع على الزوار

        ميلوا إلى فللغصون تمايل          حتى تُقبل أوجه الأنهار

        واجلوا محاسنكم لأحظى بالذي     قد كنت أسمعه من الأخبار

        لا تحسبوا أن السفور نقيصة      أو ما ترون مطالع الأقمار

        أيجوز أن أظلما وورد نداكم        صفو من الأقذاء والأكدار

        وأموت من دائي وفي أيديكم        طبي من الأسقام والأخطار

        إني سمعت صفاتكم فسكرت من     طربي بغير مدامة وخمار.

ما شاء الله! الإمام الفقيه العالم يحاول إقناع الشاعرة بأن تكشف وجهها ليتملى جمالها الذي سمع به.

وكانت فاطمة بنت الخشاب تعرف مكانة شهاب الدين بن أحمد بن يحي بن فضل الله القرشي العمري وقوته وقربه من ذوي السلطان، وتعلم كذلك أنها ليست ندا له، فأرسلت إليه سبعة أبيات – كل بيت بأربعة من أشعارهقائلة:

    إن كان غركم جمال إزاري            فالقبح في تلك المحاسن واري

    لا تحسبوا أني أماثل شعركم            أنى تقاس جداول ببحار

    لو عاصر الكندي عصركم رمى         لكم عوالي راية الأشعار

    أقصى اجتهادي فهم ظاهر نظمكم       لا أنني أدعى دعاء مجار

    من قصرت عنه الفحول فحقه          أن ليس يبلغه لحاق جواري

    ولربما استحسنت غير حقيقة           فإذا سفرت أشحت بالأبصارِ

    لست الطموح إلى الصبا من بعدما       وضح المشيب بلمتي كنهاري.

لم تقرعه، ولم تؤنبه، ولم تعاتبه لأنه يدعوها إلى السفور والوصل الحرام، ولم تشهر به بين الناس، لقد مدحته، ومدحت شعره، وفي قولها: “من قصرت عنه الفحول“. احد أمرين: إما مجاملة، أو أنها جاهلة بالشعر والشعراء، فابن فضل الله العمري لا تبلغ مكانته الشعرية – فهو فقيه وقاضي ومؤرخ ولا يعد من الشعراء المجيدينعشر أي شاعر من شعراء الطبقة العاشرة منهم، ولا نظنها إلا مجارية له حين تقول إن امرأ القيس – الكنديلو عاصره لرمى له لواء الشعر والشعراء، وإذا قرأ ما بين السطور نجد أن في قولها هذا إشارة إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن امرئ القيس: ” يجئ يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار“. ومن فطنة وثقافة فاطمة بنت الخشاب أنها أجابت ابن العمري من البحر نفسه – الكاملوالياء في – واريفي البيت الأول إشباع لحركة الروي، و– جواريفي بيتها الخامس: جمع جارية قد تكون المرأة الشابة، وقد تكون الفرس لأنها تجري مقابل الفحول، وكنهارفي البيت الأخير ليست ياء المتكلم.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق