منبر الرأى

زينب بداح النوفل تكتب: الابتزاز العاطفي وتشكيل هوية أطفالنا*

زينب بداح النوفل

في أحد الأيام كنت أتصفح وسيلة التواصل الاجتماعي (تويتر) واستوقفتني تغريدة، تقول أنها صادفت طفلة بالحرم تُلِح على أخيها بالدعاء وهي تلقنه أن يقول: “يا رب أكون الولد الذي تتمناه أمي”، لم تعني لي هذه التغريدة شيئًا لأنها ما زالت في إطار الوعي الفردي لصاحبة هذا الحساب، حتى ذهب بي بصري إلى الردود أسفل التغريدة. في تلك الوهلة علمت أنه وعي جمعي للأسف، فقد كانت الردود تدور حول فكرة البِر، وأن دل هذا على شيء فهو يدل على حب الطفلة لأمها، ورغبتها في إرضائها ولو على حساب هويتها وكينونتها المستقلة بشكل فعلي. كثيرًا ما كانت تردني رسومات لأطفال تظهر فيها من خلال تحليل المدلولات الشكلية البصرية في ثنايا الرسم مشاعر التأنيب والشعور بعدم الكفاية تجاه والديهم مثل: صغر حجم الطفل موقعه خلف الوالدين وغيرها من هذه المدلولات.

دعونا نتخيل أن أم هذه الطفلة من النموذج السلبي للأمهات، تلك التي لا يرضيها أن تكون طفلتها صاحبة مبادئ، أو أن تكون طفلتها صاحبة منطق مخالف لمنطقها على جميع الأصعدة او حتى صعيد واحد فقط، فقد تكون الطفلة تحمل بداخلها قيم سامية ومعاني إنسانية عالية وتجعل مرضاة الله وحبه فوق كل شيء، هل تكون طفلة غير بارة؟ وهنا لا نتكلم عن “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”.
يُخطئ الكثير من الآباء والأمهات في تربية أطفالهم على الانقياد لهم، ويكرر عبارة أريده أن يكون “أفضل مني”، أو مثل فلان أو علان؛ هذه العبارة تحمل في طياتها الكثير من المعاني، أولها ماذا تعني كلمة أفضل مني كنموذج بشري له نسخته الخاصة؟ للأسف يجعل الوالدان من خبراتهما آنذاك مقياسًا لكلمة “الأفضلية”. ولو افترضنا جدلًا، كمثال لنموذج أم سيئة تريد من ابنتها أن تكون أفضل منها لتستعيد من خلالها خسارتها السابقة والتي لم تستطيع تحقيقها، فتصبح هذه الطفلة بين دفتي نزاع بين رغباتها ورغبات والدتها، وهي في الحقيقة ماهي إلا أداة تستخدمها تلك الوالدة لتعيد بها ترتيب فوضى مشاعرها الداخلية، فتبدأ بتلقين تلك الطفلة منذ نعومة أظفارها أساليب جديدة لتنتصر على تلك الخسارات والفوضى الداخلية، وهذا ما نسميه (بقولبة أطفالنا)، أو (تحسين قوالبنا في أطفالنا)، وقد يكون الابتزاز العاطفي من أسهل الأدوات التي تمكن للوالدين استخدامها في تحقيق غرض القولبة أو التحسين -على سبيل المثال لا الحصر- ، أم تستخدم طفلتها في الكذب أو السرقة أو التجسس، وإن لم تسمع الطفلة الكلام تُوصم بالعقوق، مرسلة بذلك لتلك الطفلة رسالة مبطنة مفادها أنك غير بارة بوالدتك، وللأسف أن هذا السلوك يمارسه الكثير من الآباء على أطفالهم بكل أنانية، سواءً بوعيٍ منهم أو بلا وعي.
إن مثل هذا الابتزاز العاطفي وما قد نسميه بشكله الصحيح “التنمر النفسي على الطفل” سيجعل منه طفلًا مطيعًا لا طفلًا متعاونًا محبًا، وسوف ينتج عن هذا الأسلوب هُوة تتسع مع مرور الوقت بين الطفل ووالديه دون إدراكٍ واعيٍ بها.
يقول جون جراي في كتابه الأطفال من الجنة: كل طفلٍ يولد بقالب محدد، ولا يحتاج منك أن تصنع له قالبًا جديدًا، ولكن كل دورك محصور في مساعدته على إيجاد القالب الخاص به، وأن تدعمه أن يكون أفضل نموذج في شكله المميز”.
أردنا بالإشارة إلى تلك التغريدة إيصال فكرة مفادها، أن ليس كل ما يقال من عبارات لطيفة يقبع خلفها شيء لطيف، بل قد يستتر خلفها ألم كبير، خصوصا إذا كانت العبارات صادرة من طفل؛ فقد يكون أولئك الأطفال يحملون على عاتقهم هم إرضاء رغبات والديهم، وكيف يكونون كافين كأطفال في نظرهم، وبالمقابل قد يكون انعكاس لروعة وجمال والديهم، فنحن لا نضع لكم مُسلمات في هذا المقال؛ لكنه مجرد ومضة على أمرين: ألّا نُعلم أطفالنا محبتنا من خلال الابتزاز العاطفي، بل من خلال العطاء العاطفي الصادق، والأمر الآخر، اعمل على تلميع قالب طفلك الحقيقي لا كسره وبنائه من جديد؛ فتكون النتيجة صورة مشوهة من الداخل ومؤطرة بإطار جميل.

زينب بداح النوفل*

*أكاديمية في جامعة سطام ، كاتبة وباحثة دكتوراه، مهتمة بفن الطفل وتحليل رسومه

السعودية

@zainab1000noon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق