حوارات وتحقيقات

المرأة كعنصر مؤثر على تصميم البيت العربي التقليدي بقلم / يارا الأشقر *

عند دراسة تاريخ الهندسة المعمارية لسابقاتنا من الحضارات، تتجلى بوضوح فكرة العمارة كانعكاس مادي لكل ما كان يميز تلك الحضارات من أنماط معيشية و تقاليد اجتماعية وقيم ثقافية.
بناءً على ذلك يكشف الموروث المعماري العربي سواء الباقي منه او المندثر الكثير عن حياة أفراد المجتمعات العربية في العصور الماضية وبالأخص النساء منهم، لا سيما اذ ما تم التطرق الى مدى تأثير الخصوصية التي أحيطت بها المرأة في الماضي على عمارة المساكن بشكل خاص وعلى تصميم المدينة العربية بشكل عام، فلقد خضع تصميم المنزل في العالم العربي قديماً لوضع المرأة ولحاجاتها، ليجعلها المؤثر الأول في التصميم، وليجعل تأثيرها متجاوزاً لتأثير العامل المناخي حتى، حيث أخضعه لمتطلبات التصميم المرتبطة بالمرأة.
ومن أبرز الأدلة على ذلك اعتماد البيوت العربية التقليدية في تصميمها على فكرتين أساسيتين،اذ تقوم الفكرة الأولى على مبدأ عزل الداخل عن الخارج أي عزل من بداخل المسكن عن الموجودين خارجه سواء كانوا من المتطفلين أو من عابري السبيل،بينما تقوم الفكرة الثانية على مبدأ الفصل بين الرجال والنساء في المساحات الداخلية، وانطلاقاً من هنا ظهرت مصطلحات معمارية تمثل الخصوصية والفصل مثل مصطلحي “السلاملك” الذي يعني المكان المخصص لاستقبال الضيوف من الرجال و”الحرملك” الذي يعني المكان المخصص للنساء ، كما ظهرت عناصر معمارية وظيفتها تأمين خصوصية المرأة، وفيما يلي لمحة عن بعض تلك العناصر وعن كيفية تأديتها لهذا الدور :
الفناء الداخلي أو الصحن أو الحوش هو ساحة مفتوحة في وسط الدار، تحيط به الغرف وتقام فيه معظم النشاطات العائلية خلال النهار، ويستخدم كمجلس للعائلة في الليل خلال أشهر الصيف الحارة، غالباً ما يتم زراعته ويستخدم كحديقة داخلية خاصة للعائلة، وكساحة خدمة محجوبة عن أعين الجيران بواسطة الغرف المحيطة به،فهذا الفناء كان يجعل البيت مغلق على الخارج متوجهاً نحو الداخل، ما كان يتيح للنساء التواجد في مساحة مفتوحة نحو السماء ولكنها في الوقت عينه آمنة من عيون الغرباء الموجودين في الخارج.
يعود استخدام الفناء الداخلي إلى عصور كثيرة قبل الإسلام، فقد وُجدت بعض المنازل ذات الصحن في آثار الحضارات السورية القديمة في ماري وايبلا في سوريا وكذلك في سومر وبابل والموصل في العراق، وظل استخدامها شائعا حتى منتصف القرن العشرين، حين بدأ التأثر بالطرز الغربية في البناء، هو من العناصر المعمارية المشتركة بين كافة الدول العربية من الشرق إلى الغرب وبين الأرياف والمدن. وتجدر الاشارة الى أن تخطيط المدن الإسلامية اعتمد على نفس فكرة الحوش الداخلي للبيت ولكن على مقياس أوسع، حيث كانت تبنى الأحياء السكنية من الأطراف أولا ثم يُترك في الوسط فراغاً يسمى “الساحة”.
المجاز أو الدهليز في البيت العربي التقليدي هو أول ما يُدخل إليه من الشارع، وهو عبارة عن ممر، غالبا ما يكون متعرجا أو منكسرا يؤدي إلى الصحن، وكان للمجاز أهداف اجتماعية وبيئية، فهو من ناحية يعزل البيت عن الشارع حيث لا يكشف صحن الدار وما بداخله أمام المارة، فالشخص الواقف عند الباب أو الداخل إلى المجلس لا يرى الفناء الداخلي أو أي غرفة أخرى في البيت، مما يوفر الخصوصية المطلوبة للنساء، حتى ولو بقي باب البيت مفتوحا طوال النهار، الأمر الذي كان يتيح تهوئة الفناء الداخلي دون أن يجعله مكشوفاً للخارج، كما أنه كان يمكّن الداخل إلى البيت من تحذير أهل الدار عن طريق النحنحة أو التسليم أو الدعاء بصوت عالي.
المشربية أو الشنشول هو عنصر معماري يتمثّل في بروز الغرف في الطابق الأول أو ما فوقه، ويمتد فوق الشارع أو داخل الفناء الوسطي للمبنى، وكانت تُبنى من الخشب المنقوش والمزخرف والمبطّن بالزجاج الملون،كي توفر لمن بداخلها خاصية أن يكون محجوباً عن الأنظار مع امكانية رؤيته للخارج،وبذلك كانت تتيح للنساء أن يجلسن بأمان ويتابعن أحاديثهن وهن يراقبن من ورائها ما يحدث في الشارع دون أن تقع عليهن عين غريبة.
كان للمشربية بعد نفسي وجمالي في آن واحد حيث لا يشعر من بداخلها بأنه مفصول عن الفراغات الخارجية كما لا يشعر بأنه فاقد لعامل الخصوصية.
بدأ ظهورها في القرن السادس الهجري (الثالث عشر الميلادي) إبّان العصر العباسي، واستمر استخدامها حتى أوائل القرن العشرين الميلادي، إلا أن أوج استخدامها كان في العصر العثماني حين وصلت إلى أبهى صورها وانتشرت انتشارًا شبه كامل في العراق والشام ومصر والجزيرة العربية.
الكبشكان وهو عبارة عن علية أو (ميزانين mezzanine) كانت تنسحب اليها النساء عندما يُستخدم الطابق الرئيسي لاستقبال الذكور، وكان يطل الكبشكان على مجلس الرجال من خلال نوافذ مغطاة بشبكة من الألواح الخشبية بطريقة تسمح للنساء رؤية ما يجري في غرفة استقبال الرجال دون أن يكنَّ مرئيات،وقد شاع استخدام هذا العنصر المعماري في البيوت العراقية التقليدية تحديداً.
بصورة عامة كانت بيوت الحارات العربية القديمة ملتصقة ببعضها البعض، بحيث أن للبيت واجهة واحدة فقط غير ملتصقة بالجيران، إلا إذا كان البيت على تقاطع شارعين، وكانت الشبابيك الخارجية المطلة على الحارة قليلة مقارنة بالنوافذ الداخلية المطلة على باحة المنزل، بحيث أن واجهة البيت الوحيدة لا يُفتح فيها الا بعض النوافذ العالية المخصصة لادخال الانارة، أو بعض نوافذ غرف استقبال الرجال التي نادراً ما كانت تطل على الداخل بل تطل على الشارع، وللفصل بين ملكية تلك الأبنية المتلاصقة كانت تُعزل أسطحها عن بعضها باستخدام جدار خفيف الوزن، كما جرت العادة أن تمتد تلك الأسطح على ارتفاع واحد وذلك كي لا يتمكن أي منها من انتهاك خصوصية أسطح الجيران.
بعد أن استعرضنا ما تسرده لنا عمارة البيوت التقليدية العربية عن نمط حياة النساء في تلك الأزمان يبقى أن نتساءل عما يمكننا استنتاجه عن نمط حياة المرأة العربية العصرية من العمارة العربية المعاصرة، وهل تعبر هذه العمارة المستوردة من العمارة الغربية عن هوية المكان والمجتمع العربي وهل هي قادرة على أن تنقل للأجيال القادمة صورة واضحة عن أنماطنا المعيشية الحالية؟.
__________________________________
* باحثة لبنانية فى مجال فنون العمارة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق